الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ يونس : 53 ] إعلاما لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه ، ولذلك حذف المتعلّق الثاني لفعل ( افتدت ) لأنه يقتضي مفديا به ومفديا منه ، أي لافتدت به من العذاب . والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال الآلام ، ولذلك ذكر لِكُلِّ نَفْسٍ دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض لافتديتم به . وجملة أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ واقعة موقع شرط ( لو ) . و ما فِي الْأَرْضِ اسم ( أن ) . و لِكُلِّ نَفْسٍ خبر ( أن ) وقدم على الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك . وجملة ظَلَمَتْ صفة ل لِكُلِّ نَفْسٍ . وجملة : لَافْتَدَتْ بِهِ جواب ( لو ) . فعموم لِكُلِّ نَفْسٍ يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم . ومعنى ظَلَمَتْ أشركت ، وهو ظلم النفس إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . و ما فِي الْأَرْضِ يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية جمع واحتواء . و ( افتدى ) مرادف فدى . وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى ، أي لتكلفت فداءها به . وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام . وضمير أَسَرُّوا عائد إلى لِكُلِّ نَفْسٍ باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث ، وعبر عن الإسرار المستقبلي بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه حتى كأنّه قد مضى ، والمعنى : وسيسرّون الندامة قطعا . وكذلك قوله : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . والندامة : الندم ، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في الماضي ، والندم من هواجس النفس ، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير ، أي يصدر عن صاحبه قول أو فعل يدل عليه ، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولا ولا فعلا فقد أسر الندامة ، أي قصرها على سره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها ، وإنما يكون ذلك من شدة الهول ؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخا ولا عويلا .